سيد محمد طنطاوي

86

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وهنا يعرض هذا المؤمن على إخوانه ، أن يشاركوه في الاطلاع على مصير هذا القرين الكافر بالبعث فيقول لهم : * ( هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ) * أي : هل أنتم مطلعون معي على أهل النار لنرى جميعا حال ذلك القرين الذي حكيت لكم حاله ؟ والاستفهام للتخصيص ، أي : هيا صاحبونى في الاطلاع على هذا القرين الكافر . * ( فَاطَّلَعَ ) * ذلك الرجل المؤمن ومعه إخوانه على أهل النار . فرآه في سواء الجحيم ، أي : فرأى ذلك الرجل الذي كان قرينه وصاحبه الملازم له في الدنيا ، ملقى به في « سواء الجحيم » أي : في وسط النار ، وسمى الوسط سواء لاستواء المسافة منه إلى باقي الجوانب . قال الآلوسي : واطلاع أهل الجنة على أهل النار ، ومعرفة من فيها ، مع ما بينهما من التباعد غير بعيد بأن يخلق اللَّه - تعالى - فيهم حدة النظر ، ويعرفهم من أرادوا الاطلاع عليه . ولعلهم - إن أرادوا ذلك - وقفوا على الأعراف . فاطلعوا على من أرادوا الاطلاع عليه من أهل النار . وقبل : إن لهم طاقات في الجنة ينظرون منها من علو إلى أهل النار ، وعلم القائل بأن القرين من أهل النار ، لأنه كان منكرا للبعث « 1 » . ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما قاله ذلك الرجل المؤمن لقرينه في الدنيا بعد أن رآه في وسط الجحيم فيقول . * ( قالَ تَاللَّه إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ، ولَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) * . وقوله : * ( تَاللَّه ) * قسم فيه معنى التعجب ، و * ( إِنْ ) * مخففة من الثقيلة . واللام في قوله : * ( لَتُرْدِينِ ) * هي الفارقة بين إن المخففة والنافية ، والجملة جواب القسم ، وتردين : أي تهلكني يقال : أردى فلان فلانا إذا أهلكه . وردى فلان - من باب رضى - إذا هلك . و * ( الْمُحْضَرِينَ ) * من الإحضار ، يقال : أحضر المجرم ليلقى جزاءه ، وهذا اللفظ يستعمل عند الإطلاق في الشر ، إذ يدل على السوق مع الإكراه والقسر . أي : قال الرجل المؤمن لقرينه الملقى في وسط جهنم . وحق اللَّه - تعالى - لقد كدت أيها القرين أن تهلكني بصدك إياي عن الإيمان بالبعث والحساب ولولا نعمة ربي علىّ ، حيث عصمني من طاعتك ، ووفقني للإيمان . . . لكنت اليوم من الذين أحضروا للعذاب مثلك ومثل أشباهك ، ولساقنى ملائكة العذاب إلى هذا المصير الأليم الذي أنت فيه اليوم ، فحمدا للَّه - تعالى - على الإيمان والهداية . وقوله - تعالى - : * ( أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ . إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) * بيان لما

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 23 ص 92 .